الأحد، 24 فبراير 2013

عقل معتقل

عقل معتقل


كنت أظن ان الانسان إذا تعرض للاضطهاد و الاستضعاف و المطاردة في فكره و عقيدته فإنه سيكون أكثرقدرة و رغبة في الانفتاح على الآخر و قبول بالاختلاف ، و لكن يبدو أن ظني كان خائبا ..
يضج المسلمون كل يوم بالفزع و التشنيع على محاكم التفتيش في الاندلس التي مارست الاضطهاد ضد المسلمين بسبب عقيدتهم ، و لكن بعض بلاد الاسلام في هذا العصر تحاكم الناس على عقائدهم و أفكارهم .
الشيعة الامامية تعرضوا عبر التاريخ للمطاردة و التشريد بسبب عقيدتهم المختلفة مع العقيدة السائدة في العالم الاسلامي ، و هذا الارث العظيم من مصادرة حريتهم العقدية و الفكرية كان يجب ان تجعل منهم قادة للحرية و دعاة لحق الآخر بالاختلاف و لكن السائد اليوم بين الشيعة عكس ذلك ..
ما إن يخرج صوت هنا أو هناك يعلن تمرد على السائد و المتعارف عليه و المتسالم على صحته حتى تخرج بيانات التكفير و التضليل و التخوين و التحريض على القتل و السجن سريعا ، حتى ربما قبل الفهم الصحيح لما يقول ذلك الصوت و هذا ما لا نفهمه .
من حق اهل المذهب الدفاع عن عقائدهم بكل وسيلة فكرية و لكن لماذا التعدي على حق الآخر في حريته الفكرية ؟ كيف لشخص يشتكي من اضطهاد الآخرين له بسبب اختلافه الفكري معهم ان يمارس الاضطهاد ذاته مع المختلف معه ؟؟
يأمرنا الله سبحانه و تعالى بالتفكر و التأمل و التدبر و قد خلقنا من قبل و نحن نحمل عقولا غير متشابهة ثم يجب علينا ان نصل الى نتيجة  واحدة ؟! ، و لسان حال بعضنا يقول إذا فكر عقلك فسوف يعتقل ، و للمفارقة العجيبة أن اللغة العربية تجعل كلمة (عقل) قريبة جدا من الـ(معتقل) !!
أيها الكرام عندما يخرج رجل يختلف معكم في فكرة و يحمل حجته على ظهره فاقرعوا حجته بحجتكم ، ثم اتركوا الناس يختارون بعقولهم بين الصحيح و السقيم ..
لماذا الخشية من الفكر المغاير ؟ لماذا الخوف من المختلف ؟ لماذا الفزع من الرأي الآخر ؟
فكرة حرة واحدة تثير عواصف هوجاء و قد تنتهي بصاحبها في سجن لا يدخله ضوء ، هل هذا كله لأنه فكّر ؟؟
من يبرر اضطهاده للآخرين بسبب أفكارهم  فعليه ان يقبل باضطهاد الناس له بسبب أفكاره ، و عليه ان يتقبله بصدر رحب .

الأحد، 10 فبراير 2013

بلا مذاهب


بلا مذاهب


قال تعالى : {وَأَلّفَ بَيْنَ قُلُوبِهِمْ لَوْ أَنفَقْتَ مَا فِي الأرْضِ جَمِيعاً مّآ أَلّفَتْ بَيْنَ قُلُوبِهِمْ وَلَـَكِنّ اللّهَ أَلّفَ بَيْنَهُمْ إِنّهُ عَزِيزٌ حَكِيمٌ }
عندما بعث رسول الله صلى الله عليه و اله و سلم الى العرب كانوا جماعات و فرق شتى متصارعة ، كانت الجزيرة العربية مليئة بالحروب و الصراعات بين شتى قبائلها و طوائفها المختلفة ، فقام عليه الصلاة و السلام بتوحيد العرب تحت راية واحدة برسالة حضارية استطاعت ان تغير مجرى التاريخ .
عندما دخل النبي الموحد عليه الصلاة و السلام المدينة المنورة كانت منقسمة الى قبائل متعددة متصارعة أكبرها و أهمها الاوس و الخزرج ، و كانت منقسمة دينيا فكان بعضهم لحق بالاسلام و بقي البعض على عبادة الاصنام بالاضافة الى طبقة المنافقين الذين شكلوا فئة مهمة الى جانب اليهود .
و مع هذا لم تتفاقم الصراعات الدموية بين تلك الاطراف بل أن الرسول  بما اوتى من حكمة استطاع ارساء دعائم السلم الاهلي في المدينة و أعلن (وثيقة المدينة) التي ارست الحقوق بين تلك الفئات في تعايش سلمي رغم الخلافات التاريخية و العقدية .
ثم تفرقت هذه الامة الى مذاهب و طوائف و نحل شتى لتعود مشتتة مفرقة ضعيفة متصارعة ، حتى وقع بينها الاقتتال و سالت الدماء و قتل الرجال و انتهكت المحارم و كل مذهب يزعم الوصل بالاسلام الاصيل الذي اتى به محمد .
الان كيف السبيل الى العودة لتلك الروح الوحدوية المحمدية ؟
طرحت الكثير من الافكار التوحيدية في هذا المجال منها على سبيل المثال فكرة التقريب بين المذاهب التي كان الشيعة رواد لها على مدى عقود طويلة .
و يطرح البعض فكرة بسيطة منطقية و هي فكرة العودة للاسلام الاصلي و إلغاء المذاهب كلها ، على اعتبار انها اس المشكلة و سببها .
و هذه الفكرة على بساطتها و منطقيتها إلا أنها دعوة صعبة التحقق في المدى المنظور إن لم تكن مستحيلة .
كتب الشيخ الجليل الدكتور مصطفى الشكعة كتابه (إسلام بلا مذاهب) لتمثل دعوة لهذه الفكرة ، لكنها رفضت من نخب جميع المذاهب و رد عليه البعض بمقولة ( لا إسلام بلا مذاهب ) و منهم الكاتب رشيد الخيون ، و ينطلق المعارضون من فكرة ان المذاهب هي جهود و اجتهادات و ابداعات لعلماء بذلوا عمرهم من اجل معرفة الاسلام .
اليوم هناك طبقة نخبوية ناشئة قد يكون لها مستقبل مشرق في قادم الايام و العقود المقبلة ، تقوم هذه الطبقة على فكرة اتخاذ القرآن الكريم اساسا للاجتهاد الفكري و مرجعا أوليا لها ، ثم تساوي بين المذاهب الاسلامية و التراث الاسلامي بلا تفرقة على اساس طائفي بل ان هناك من ينطلق من التراث الانساني العام للوصول الى المعرفة الشاملة التي تكشف عن الحق و الحقيقية ، و لعل أهم شخصية تأخذ بهذا المنهج اليوم هو الشيخ حسن فرحان المالكي ،كما يوجد بعض النخب ذات الخلفية الشيعية التي بدأت تأخذ بنفس المنهجية .
نحن بحاجة اليوم الى هذا النفس العلمي البعيد عن التعصب الطائفي ، الذي يتخذ المرجعية القرآنية اساسا له ، و من ثم ينطلق نحو التراث الاسلامي كطبقة واحدة فلا يتعصب لإجتهادات مذهب ضد مذهب آخر ، بل يكون القرآن هو الفيصل فيما يختلف عليه .
يبدو لي ان هذا المنهج هو التطبيق الواقعي الحقيقي الممكن لفكرة اسلام بلا مذاهب ، و هو الذي يمكن ان يرث التراث الاسلامي و ينهي الحالة الطائفية المتفاقمة ليحقق اسلاما بلا مذهبية ، و ارى له مستقبلا زاهرا  بظني .
نحن كأفراد يجدر بنا ان نوسع مداركنا لنتفكر في المختلف و الآخر قبل ان نرميه بالخطأ و الانحراف و الضلال ، نحن جزء من عالم الاسلام بل نحن جزء من الانسانية جمعاء ، نحن ننتمى لها كلها لذا لا يجب ان نتعالى عليها ، و ليكن شعارنا البحث عن الحق و الحقيقة اينما هي .

الاثنين، 4 فبراير 2013

في النادي الادبي

في النادي الادبي


البارحة كنت في النادي الادبي بالرياض لحضور حفل تكريم الرئيس السابق للنادي الدكتور عبدالله صالح الوشمي تحت رعاية و بحضور وزير الثقافة و الاعلام دكتور عبدالعزيز خوجة  ..
بالرغم من أن الصديق هاني الحاجي (ابوهيثم) وجه لي الدعوة منذ سنوات لحضور فعاليات النادي إلا أنني كنت اثقل الخطى اليه ، حتى تكررت الدعوة من جديد فذهبت برفقة الصديق ابي نضال .

سأسجل ملاحظاتي هنا حول ما شاهدت ..
-         في البدء يطالعك النادي بمبناه القديم المهترئ و الذي لا يعكس أي أهمية تعنى بما يفترض أن يكون حامل شعاع الثقافة و الابداع في العاصمة الرياض ، فالمبنى قديم لا يوجد به اي سمة جمالية أو ابداعية ، و حتى عمليات الترميم الواضحة فيه زادته قبحا و كأن لسان حاله يقول (لا يصلح العطار ما أفسد الدهر)
-         قاعة الحفل لها من العمر نحو نصف قرن ، و هذا يكفي لكي تتصور حالها ، وهي صغيرة الحجم غير مجهزة لاستقبال حدث ثقافي مهم .
-         بل حتى موقع النادي هو في شارع صغير و كأنه يتوارى خجلا في أحد الازقة ، و كأنما هو عار لا يراد له الانكشاف ..
-         بالرغم من أن الحضور كان كثيفا نوعا ما إذ غصت القاعة و بقي كثيرون وقوفا ، رجالا و نساءا ، إلا أن الكهول و الشيوخ هم الاكثر عددا ، بل هم الاغلبية بين الحضور ، فوجدت نفسي تسأل ، اين الشباب ؟؟ أين المبدعون ؟؟
-         ليس تقليلا من شأن الشيوخ و الكهول فهم كما يقال الخير و البركة ، و لكن المستقبل إنما يقوم على سواعد و همم الشباب ، فإن لم نجد شبابا في النادي الان فمتى سنجدهم ؟
-         في النادي تعرفت على عدد من ادباء نجد و مثقفيها و سمعت قصصا عن هؤلاء قصصا لا تجد رواجا و اهتماما ، "نجد" ثرية ثقافيا و ليست مكانا لا يسكنه إلا البدو و الجهال .
-         لا يخفى عليكم أن الدعم السخي الذي لقيته الاندية الادبية في السنوات القليلة الماضية من الحكومة و اعادة التنظيم الذي قامت به وزارة الثقافة و الاعلام و إقرار لوائح تنظيم جديدة و اعتماد آلية الانتخاب فيها شجع الشباب لدخول الاندية الادبية و لكن سوء الاوضاع و عددا من الاشكاليات فيها أنعكس سلبا و تمثل في حالة عزوف جماعي من الشباب عنها ، و الارقام تثبت ذلك فعدد الذي جددوا اشتراكهم في نادي الرياض حسب ما علمت لم يتجاوز نسبة 20% ، و الحال في نادي الاحساء لا يختلف إذ أن 60% من الاعضاء لم يجددوا أشتراكهم ، و هذا يدعو للتساؤل و البحث .
-          من الواضح أن الدكتور عبدالعزيز خوجة وزير الثقافة الحالي يحاول معالجة سنوات من الاهمال للثقافة في هذا البلد ، فكما يعلم الجميع أن الاندية الادبية كانت ملحقة بالرئاسة العامة لرعاية الشباب ، و هي كانت تولي جل اهتمامها للرياضة بل لكرة القدم فقط ، مما تسبب في اهمال كبير لحال الثقافة في البلاد ، و لكن عقود من الاهمال لا يمكن معالجته في بضع سنوات .
-         تساؤل آخر لماذا لا يتحول النادي الادبي الى نادي ثقافي ، فالثقافة أشمل و اعم بل و أهم ، فالمثقف في المملكة لا يجد حاضنة له ، أو ان يتم تأسيس أندية ثقافية الى جانب الاندية الادبية كي تحتضن الحراك الثقافي في كل مدينة سعودية ، فجمعية الثقافة و الفنون لا تفي بالغرض .
-         في الحفل جلسنا بجوار أثنين من الدكاترة العواجيز المشاغبين ، كانا كثيري التعليق و التندر على ما يطرح على المنصة ، بينما أنا و صاحبي نكتم ضحكاتنا في صدورنا عليهما .  
-         أخيرا : شعرت بالفخر و الاعتزاز عندما وجدت مقدم الحفل النجدي يلجأ  الى أبيات للشاعر الهجري جاسم الصحيح ، فيبدو أنه لم يجد أفضل منها ليرحب بالوزير خوجة الذي بدى متواضعا و في ملامحه حميمية طاغية .

الخميس، 31 يناير 2013

هاجس المختلف

هاجس المختلف

 


قبل ايام كنت اشاهد (فلم انمي) يحكي قصة البطاريق التي كانت تعيش في القطب المتجمد و لم تر انسانا يوما ، احد البطاريق الشبان رأى مصادفةًا إنسانًا ، فذهب الى البطاريق ليقول لها أنه شاهد مخلوقا غريبا يمشي على رجلين مثل البطاريق ، و لكن كبار البطاريق و قادتها وقفوا في وجهه قائلين انه لا وجود لهذا المخلوق الخرافي ، و لا يمكن لأي مخلوق أن يمشي على قدمين سوى البطريق ، و كانت عقوبة هذا المدعي (الضال) النفي و الإبعاد لأنه يضل بقية البطاريق عن المذهب الحق !!.
  
هنا طائفة متسالمة على افكار و عقائد متقادمة ثم يأتي من يشكك أو يبحث أو يخالف ، فيثير حنق الطائفة الراكنة للرأي الاول فتتحرك ضد المختلف بفتوى أو بيان أو اهدار دم أو اغتيال ، حفاظا على الارث الراكد ، في الحقيقة إن هذا المشهد ليس حالة اختص بها دين أو مذهب أو فكر واحد دون غيره ، فالقارئ للتاريخ الانساني سيجد مثل هذه القصص متناثرة على جنباته ، و المذهب الشيعي ليس استثناءا من التاريخ الانساني .


ما يجب أن يثيرنا حقا أمرين أثنين ، الاول : ماهي الاجواء و الاوضاع التي انتجت هذه الحالة؟ . و الثاني : ما هي المصالح و الدوافع التي دفعت فردا هنا أو هناك لإتخاذ هذا الشكل الصدامي .
إن الجو المعرفي المغلق الغارق في القطعيات و اليقينيات ، الجو المعادي للشك و التفكير خارج الصندوق ، الجو الخائف الوجل على الايمان المزعوم و النقاء المتوهم هو الذي يمكن ان ينتج فتاوى التضليل و التكفير ، فهذه الفتوى هي سلاح دفاعي قاتل يلجأ اليه الخائف من فكرة و رأي لأنه ببساطة لا يؤمن بالآخر و لا يرضى بالعيش بجوار المختلف و يريد ان يملك الوجود كله بمفرده ، بما لديه من ايمان و معرفة يظنها آخر ما يمكن ان يصل إليه الانسان ..
و هذا يقودونا الى التساؤل الثاني اي مصالح يمكن ان يهددها هذا الرأي الجديد ، هل يمكن أن تكون فقط غيرة دينية بريئة ؟؟ ، فكفار قريش الذين قالوا عن النبي الكريم أنه مجنون و أنه ساحر كانوا يزعمون أنهم يحافظون على تراث الاباء و الاجداد ،  بل حتى فرعون خشي على قومه من ان يضلهم موسى (الضال) عن دينهم ، و لكن هل صدقوا ؟؟
أنه الهاجس الفطري لدى الانسان الذي يستأنس بالبرك الهادئة و البحيرات الراكدة و لا يحب الانهار الجارية ..

الثلاثاء، 15 يناير 2013

قضايا بين مثقف و شيخ

قضايا بين مثقف و شيخ




في اي دراسة معرفية يراد لها ان تكون منصفة و علمية يجب على الباحث ابتدءا تعريف عناصر البحث تعريفا عمليا و دقيقا و محايدا ، و من ثم يصار الى بحث العلاقة بينها .
و لأن المقام لا يتسع لتفصيل التعريف بأطراف الموضوع تفصيلا شاملا فإننا سنلجأ للإختصار على امل العودة للتفصيل لاحقا .
فالمثقف كظاهرة آخذه في البروز في مجتمعنا هو المتعلم معرفيا القادر على استخدام الكم المعرفي الذي يحوزه معملا أدوات التحليل و الربط في القضايا الفكرية التي يهتم بها ، و هي طبقة ناشئة في مجتمعنا تتطور كل يوم بفعل ارتفاع نسبة التعلم و توافر المعلومة .
أما رجال الدين فيجب ان نفرق بين طبقتين تماهتا الى حد كبير ، الاولى : علماء الدين و يقصد بهم المختصون في العلوم الدينية المعروفة تخصصا معرفيا المنشغلون بها المضيفون عليها تأليفا و جمعا و تصنيفا و انتاجا ، أما الثانية : رجال الدين فإنهم طبقة تتحصل على كم من المعرفة الدينية تستخدمها من اجل العمل الديني في المجتمع ، فنجد أغلب المنتمين الى هذه الطبقة ينقطعون عن مجال الدرس بعد مدة و يفتقدون للعطاء العلمي ، و يركزون على العمل في المجتمع بأدوار معروفة كأئمة للمساجد و خطباء و وكلاء و غيرها ..
و مع تنامي طبقة المثقفين و اصحاب الرأي و طرح الكثير من القضايا الجديدة على الساحة المعرفية في مجتمعاتنا الشيعية حدثت احتكاكات بين هذه الاطراف .
نجد ردود علماء الدين الاكثر معرفة و علما هادئة و منطقية و عقلانية ، و يتسم ردها بالحجية و الاقناع ، كما أنها تسخدم الاساليب المعرفية و تتعامل بأبوية حانية على ابناء المجتمع .
أما طبقة رجال الدين فإننا نلحظ ردودا متشنجة اقصائية اتهامية صدامية جدلية تخلط الامور ببعضها البعض لتخرج وصفة غريبة عن روح الدين و غاياته ..
هناك شواهد كثيرة تدل على ذلك و أتجنب ذكرها كي لا تضيع الفكرة في تفاصيل الامثلة ، كما ان الامور ليس على اطلاقها ..
ما يحدث اليوم ان هناك أفكارا حداثية بدأت بعبور مجالنا المعرفي الاجتماعي مؤخرا ، كثير منها لا يتعارض مع روح الاسلام كدين صالح لكل زمان و مكان ، و لكن بعضها يتقاطع مع التراث الفكري و المعرفي المتراكم عبر الزمن حتى استأنسه الناس ، و يحاول البعض التصوير بأنه قطعيات دينية ، فحدث الصدام بين دعاة التحديث و المنافحين عن التراث .
و لكي نخرج بصيغة معقولة فإن هذه الافكار يجب ان تخضع لمشرط العالم الحاذق في غرفة عمليات فكرية يجري معالجتها بهدوء الطبيب الماهر ، و هذا يحتاج معرفة و دراية عميقة بتلك الافكار كما تستلزم حسن الادارة و فطنة العالم الرباني ، بعيدا عن التشنج المصطنع .
و كما ان المثقف بحاجة الى قراءة التراث قراءة منصفة و عدم التنصل من تاريخه و ماضيه بكل ابداعاته و إخفاقاته ، فإن رجال الدين في مجتمعنا يحتاجون للكثير من القراءة و المعرفة و الاطلاع في مجالات الفلسفة الحديث و الفكر المعاصر ، كما يحتاجون الى التعمق في فهم الاسلام كدين مرن قابل للثقافات و الافكار العصرية ، و هذا ما يفتقده الكثير منهم إذ ان تأهيلهم الحوزوي غير كاف ، و يحتاجون الى جهد ذاتي في هذا المجال .
إن المعول عليه في معالجة الواقع المعرفي اليوم هم العلماء الربانيون الذين يمتلكون الوعي و الادراك الكافي الى جانب المعرفة العميقة و القدرة على تفهم الفكر المعاصر بلا تعصب و لا اسفاف ..  

الاثنين، 7 يناير 2013

نقد الموروث

نقد الموروث





النقد سلوك عقلي متحضر وجد و تطور لدى الامم المتحضرة حيث احترام الانسان و تمكينه من حرية التفكير و الاختيار .
في الدين الاسلامي الحنيف نجده شجع على إعمال العقل و نقد الموروث و هذا واضح جلي في الايات القرآنية الكريمة و ليس محل خلاف لذا نتجاوز التفصيل فيه ..
العقدة لا تكمن في جواز النقد للتراث من عدمه ، بل تكمن ثلاثة أمور (ماذا ننقد ؟ ما هو اسلوب النقد ؟ من ينقد ؟)
و الاجابة على هذه الاسئلة الثلاثة هي التي تولد الاختلاف و الخلاف بين ابناء المجتمع الاسلامي و بين كافة التيارات و المذاهب الاسلامية ..
فمادة النقد تقف بين التقديس و عدمه فمن يعتبر امرا ما مقدس فإنه لن يقبل نقده و من يعتبره غير مقدس سيتقبل نقده ، و دائرة التقديس تتسع و تضيق وفقا لعوامل عدة .
و رغم ان صريح ايات القرآن الكريم و الاحاديث النبوية الشريفة واضحة صريحة في توسيع دائرة النقد فهي تضع العقيدة (وهي من أهم الموضوعات في الدين) محلا للنقد و تحث على نقد العقائد الموروثة ، و هذا يكفي ان يكون ما دونها من الموضوعات محلا للنقد من باب أولى .
و عن اسلوب النقد هناك اساليب كثيرة للنقد ، منها الاسلوب التفكيكي و الاسلوب البنائي و منها الاسلوب الاستدلالي و غيرها ، ولكن لا يوجد اسلوب أمثل ، ربما يميل شخص ما لأسلوب دون آخر و لكن لا يجب أن نقول انه الاسلوب الاوحد و نلغي البقية ، يبقى فقط أن يكون الاسلوب مراعيا للخلق و عدم الشخصنة حيث يتحول النقد من نقد المادة الى نقد الشخوص .
أما من ينقد؟ فإن الباحث عن الحق و الحقيقة مكلف بسلوك ذلك الدرب ، فالحجر على عقول الناس ليس اسلوبا اسلاميا مطلقا ، و  للانسان ان ينقد ما دام يتملك اساليب النقد و المعرفة .
في واقعنا الاسلامي لدينا حساسية مفرطة من النقد حيث اتسعت دائرة المقدس و تجاوزت كل حدود ، فحتى الموروث الذي انتجته عقول البشر الغير معصومين اصبح مقدسا في نظر البعض ، و اصبح التقليد في كل الامور المعرفية و الفكرية هو الطاغي ، و هذا ناتج عن التخلف المعرفي و العجز عن الابداع و عدم الثقة بالنفس ..
إن حساسيتنا للنقد جعلنا أمام حالات تطرف فكري موغل بتقديس الماضوية في مقابل حالات احتقان تنفجر عن تطرف معاكس ، فيما الحقيقة ضائعة بين التيارين .
لذا من الضروري العمل على تغيير الحالة السائدة بإرساء ثقافة تقبل النقد و الحرية الفكرية للانسان ، فإن الله لا يريد عبيدا يطيعونه دون وعي و تدبر و تفكير ، و لذلك خلقنا مختلفين كما قال جل شأنه ..

الثلاثاء، 1 يناير 2013

الطقوسية و القضية


الطقوسية و القضية

مع اطلالة محرم و حتى الاربعين من كل عام و شغل الشيعة الشاغل احياء ذكرى الحسين عليه السلام ، هذا الرجل العظيم الذي قدم  للانسانية ثورة اخلاقية قيمة هي كمنارة تضيء للاحرار دروب العزة و الكرامة ..
و لكن السؤال الذي يتجدد مع هلال المحرم ماذا صنع الشيعة بهذه الثورة العظيمة ، الاجابة محزنة فلقد تحول الإرث المجيد الى طقوسيات تمارس كل عام في ظل تغييب للوعي عن أهداف و مغانم الثورة المجيدة .
الكثير من الطقوس ابتدعت بأصل أو بلا اصل تحت و مسميات شتى (تطبير- مشاية-ركضة – ضرب بالسلاسل و الجنازير- تشبيهات – مشي حافيا - ...) و القائمة لا تنتهي من تلك الطقوسيات التي تمارس تحت عنوان عريض مطاط اسمه احياء الذكرى و الولاء لأهل البيت عليهم السلام ، تلك الطقوس تركن الى السلوك الصوفي الذي لم يكن مذهب اهل البيت ع يرحب به و يشجع عليه .
هنا قبل أن تكبر حدقات اعين البعض علي أن أقول أنني لست ضد من يريد ممارسة تلك الطقوس فهي حرية شخصية ، كل انسان حر في سلوكه الشخصي التعبدي ما دام فهمه للدين يجيزه و لا يتعارض مع قطعياته ،  و لكني أطلب منكم أمرين اثنين ،  أولا : تلك الطقوس هي مبتدعات - ليس بالمعنى السلبي- لم يرد فيها نص مقدس بل هي أفهام لرجال نحترمهم و نجلهم ، و هي في أحسن حالاتها لم تصل أكثر من الاستحباب ، لذا لا تلبسوها لباس القداسة و لا تعتبروا نقدها تجاوزا على المذهب و العقيدة ، و احترموا من يختلف معكم حولها  كما نحترم حريتكم بالايمان و العمل بها ، و احترموا تعذر عقولنا عن فهمها و تبريرها ،،  ثانيا : رجاءا لا تقرنوا تلك الطقوس بالاسلام و المذهب فتقولوا أمر الله و رسوله بها ، مارسوها على أنها فهمكم للدين و ليس لأنها دين .
مشكلتنا مع كثير من تلك الطقوس أنها تمارس تغييب الوعي عن اهداف حركة الحسين عليه السلام التي اصبحت مجرد سوكيات تمارس في ايام معينة و تغييب كل مبادئ العدالة و الحرية و الاباء عنا .
كما أن تلك الطقوس لا تقف عند حد معين ، فكل يوم نكتشف شكلا جديدا منها ، هذه السنة رأيت طقسا جديدا ، رأيت أباء يحضورن أطفال أعمار بعضهم أقل من ثلاث سنوات ليشهدوا ذبح الخراف ليوم العاشر ثم يقوموا بتلطيخ ابدان الاطفال بالدماء بعنوان البركة و رجاء الشفاء من الامراض ، و الله اعلم عن سلامة تلك الدماء ، و لا ندري ما سيأتي به المستقبل من طقوس ..
نعم تلك الطقوس قد يكون لها اثر معنوي روحاني على المستوى الفردي و هذا ما يجعلنا لا نمانع ان يمارسها من يريد ، و لكننا نؤكد أن أثرها الاجتماعي سلبي ، فهو يشغل الناس عن الاهم و الحقيقة في القضية الحسينية .
لذلك يجب على النخب ان يتفطنوا و يسألوا عن ذلك الغياب الكبير و المتزايد للقيم الحسينية ، و يجب عليهم ان يساهموا بعودة المجتمع الى ما ضيعه في معرض حماسه للطقوس ، بدل استماتتهم بالدفاع عن الطقوس ضد من يسمونهم بالحداثيين .
و أؤكد من جديد أن الحرية العبادية يجب ان تكون مكفولة للجميع ، تفضلوا طبروا و اضربوا بالسلاسل و امشوا في المواكب ، و لكن اعدوا الجواب عندما يسألكم الحسين : ماذا فعلتم بثورتي ؟؟؟